الجانب الآخر من القضبان - العائلات المُحطَّمة في مصر-السيسي

© SHALABEYYA

 

يوجد في مصر 60 ألف سجين سياسي. يعيش هؤلاء السجناء في ظروف غير آدمية، وغالبًا ما لا يحصلون على رعاية صحية لائقة. تحدثت MO* إلى عائلاتهم هنا وفي مصر. «عقلي يتراكم عليه الصدأ، أريد أن أشغل نفسي بشيء ما».

الزمان: نوفمبر 2021. كانت هذه هي أولى الليالي الباردة في القاهرة. بدأ الناس يرتدون السترات في المقهى الذي كنت أمضي فيه معظم أمسياتي. أُرسل الطرف نحو زبون يرتدي بذلة، ويدفئ يديه على جمر النرجيلة. تعرض الشاشة فوق رؤوسنا التعليق الألف على مباراة كرة قدم في الدوري الإنجليزي.

لم أكن أبدي أي اهتمام بالمباراة، إذ كنت أشاهد، في حيرة متزايدة، فيديو ترويجي على هاتف صديق مصري. تُذكرك الصور في الفيديو بالإعلانات التجارية للعديد من المجمعات السكنية الفاخرة على الأراضي الصحراوية خارج القاهرة، والتي أصبحت علامة مُسجلة ورمزًا لرئاسة عبد الفتاح السيسي.

ولكن هذا الفيديو بالذات يقدم مشروعًا مختلفًا تمامًا، فهو إعلان عن بناء مجمع سجون جديد في وادي النطرون، شمال غرب العاصمة. تحت شعار “فرصة للحياة”، يَعِد النظام المصري بمنشأة تكون فيها إعادة تأهيل السجناء هدفًا أساسيًا. يتلقى السجناء ورش عمل للرسم ويتعلمون حرفًا جديدة تُأهلهم للحياة بعد الخروج من السجن.

يتلقى السجناء في الفيديو زيارات عائلية. يرتمون في أذرع ذويهم دون أي علامة على وجود قيود أمنية من حراس السجن. يوجد مسجد رائع الجمال في وسط المجمع، وكنت لأكون قادراً على رؤية الابتسامات الصفراء اللامبالية على وجوه السجناء، لولا أن جميعهم يرتدون كمامات للحد من انتشار فيروس كورونا داخل السجن.

وعودٌ كبرى

تتناقض الوعود التي قُطعت في الفيديو تناقضًا صارخًا مع القصص التي قرأتها وسمعتها عن كيفية تعامل مصر مع سجنائها. أدلى معتقلون سابقون وعائلاتهم شهادات عن التعذيب وتوجيه الأذى بحسب الانتماء السياسي داخل السجون. اختفى الآلاف من الرجال والنساء فجأة، ليعودوا للظهور مرة أخرى بعد أيام أو أسابيع أو حتى أشهر في زنزانة في أحد أقسام الشرطة.

أصبح حق السجين في الزيارات العائلية والتواصل مع العالم الخارجي تحت ضغط متزايد. وقد أودى الإهمال الطبي في الزنازين بحياة الكثيرين. تفاقمت ظروف السجن القاسية هذه بسبب تفشي فيروس كورونا داخل مجمعات السجون، بسبب الاكتظاظ وانعدام النظافة والتهوية.

«الاستراتيجية الجديدة لحقوق الإنسان في مصر لا تغير شيئًا مما يحدث في مصر. توقف عن استخدام ذلك كمثال إيجابي على التغيير».

تفاقم عدد السجناء في مصر منذ بداية رئاسة السيسي عام 2014. ترفض السلطات الكشف عن العدد الدقيق للسجناء، لكن الأمم المتحدة تقدره بـ 114 ألفًا، وهو ضعف الطاقة الاستيعابية البالغة 55 ألفًا. يقول نشطاء حقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 60 ألفًا من هؤلاء السجناء قد سُجنوا لأسباب سياسية، مما أهّل مصر لاحتلال المركز 161 على مؤشر حرية الإنسان، بعد إيران مباشرة.

بالتزامن مع إصدار الفيديو الترويجي، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي بيان استراتيجيته الجديدة لحقوق الإنسان في مصر إلى العالم الخارجي. أعربت الناشطة منى سيف عن تفاقم الشعور العام بالشك بين المدافعين المصريين عن حقوق الإنسان، فيما يتعلق بوعود السلطات المصرية أمام لجنة البرلمان الأوروبي لحقوق الإنسان في أكتوبر 2021، قائلة: «الاستراتيجية الجديدة لحقوق الإنسان في مصر لا تغير شيئًا مما يحدث في مصر. لقد صُنعت فقط من أجل الغرب. توقف عن استخدام ذلك كمثال إيجابي على التغيير».

طالت الاعتقالات الجماعية آلاف العائلات. وقد قررت التحدث إلى بعض من أصدقاء وأهالي السجناء، على أمل أن أفهم بشكل أفضل حجم الأزمة الإنسانية في الزنازين المصرية، وعواقبها على من يقفون على الجانب الآخر من القضبان.

يوم اختفاء أحمد

بدأت رحلتي منذ شهر، في محل لبيع الكتب في بروكسل، حيث قابلت سهيلة يلدز، معلمة وخريجة من جامعة غنت. في وقت لقائنا، كان شريكها، أحمد سمير سنطاوي، طالب الأنثروبولوجيا المصري المسجل في جامعة نمساوية قد أمضى ما يقارب العام في السجن.

تقول يلدز: «لقد ارتبطنا بحبنا المشترك للأدب العربي، وحقيقة أن كلينا قد حرر نفسه بطريقة ما من قيود عائلته المحافظة». أما عندما استفسرت عن كاتبها العربي المفضل، أجابت بسرعة: «أحمد بالطبع!».

يوافق الأول من فبراير 2021 تاريخ الاختفاء القسري لأحمد. يستخدم هذا المصطلح -الاختفاء القسري- لوصف الفترة التي يُحتجز فيها الشخص في أحد مراكز الشرطة دون أن يتم القبض عليه رسميًا، مما يجعل أُسرته تجهل مكانه. وأفادت منظمة العفو الدولية في وقت لاحق أنه خلال هذا الوقت، تعرض أحمد للتعذيب، حيث قام الضباط بالاعتداء عليه بالضرب وأبقوه معصوب العينين.

استجوبه الضباط حول بحثه الأكاديمي حول الحقوق الإنجابية للمرأة في مصر. وقد عاد للظهور مرة أخرى بعد خمسة أيام أمام نيابة أمن الدولة العليا، المؤسسة القانونية المكلفة بالتحقيق في الجرائم المتعلقة بالأمن القومي

بعد خمسة أشهر، حُكم على أحمد بالسجن أربع سنوات، بتهمة «نشر أخبار كاذبة من شأنها تهديد الدولة ومصالحها الوطنية والأمن العام ونشر الفزع بين المواطنين».

طعن سنطاوي على الفور في هذا الحكم، حيث بدأ إضرابًا عن الطعام، وكنتيجة لذلك تم وضعه في زنزانة انفرادية. أطلق أقاربه وزملاؤه حملة FreeAhmedSamir# احتجاجًا على الحكم الذي لا يمكن إلغاؤه إلا بعفو رئاسي.

أخبرني حسين بيومي، الباحث في منظمة العفو الدولي في مكتبه في بروكسل: «لم يكن أحمد ناشطًا حتى. لقد كان فقط غير محظوظ إلى درجة كبيرة، لأن النظام اختاره».

يوضح بيومي أن سجن سنطاوي يوضح حالة الشك التي تعيشها الحكومة تجاه المصريين الذين يدرسون في الخارج. حيث أشارت وزارة الهجرة المصرية، في بيان حديث لها، إلى أن الشباب المصريين الذين يدرسون في الخارج يمثلون الخطر الأكبر، لأنهم يكونون عرضة لأن يتم إفسادهم بالأفكار.

على نفس المنوال، تم القبض على باتريك زكي، الباحث القبطي في مجال حقوق الإنسان الذي يدرس في بولونيا، قبل ذلك بعام. وحوكم بتهم مماثلة مرتبطة بالأمن القومي، بعد أن نشر مقالات على صفحته على فيسبوك تنتقد التدابير الوقائية السيئة لفيروس كورونا في السجون المصرية. تم إطلاق سراحه في نهاية المطاف في ديسمبر 2021. لكن لا تزال محاكمة زكي مستمرة، لذلك لا يزال هناك احتمال أن يتم إصدار حكم عليه.

ساعات من الطرق على باب السجن

يمكن رؤية عواقب موجات الاعتقالات في كل مكان في المجتمع المصري بشكل عام، وفي دوائر النشطاء على وجه الخصوص، حيث يعرف الجميع شخصًا واحدًا على الأقل كان أو مازال في السجن. ومع ذلك، من الصعب العثور على معلومات حول ما يحدث بالفعل داخل زنازين السجون المصرية.

يقول بيومي موضحًا: «الرقابة والسيطرة على المعلومات المتعلقة بظروف الاحتجاز، والقيود المُحكَمة التي تمنع وصول الهيئات المستقلة للسجون، وترهيب عائلات السجناء والنشطاء، كلها عوامل تجعل من الصعب تقييم المدى الحقيقي لأزمة حقوق الإنسان في السجون المصرية».

كما يقول مضيفًا: «من الخطر على السجناء السابقين وأقاربهم التحدث عما مروا به في السجن. معظم الناس خائفون. نحن لا نُجري مقابلات مع الأشخاص في مصر وجهًا لوجه، ولكن نستخدم تطبيقات الاتصال الآمن عبر الإنترنت».

«يتوقع كل واحد منا في أية لحظة مكالمة هاتفية تقول إن علينا أن نأتي لاستلام جثة قريبنا، حتى نتمكن من دفنها في الظلام».

يُعد الطعام في السجن مشكلة كبيرة، أما الرعاية الصحية فتكاد تكون منعدمة، بحسب وصف بيومي للوضع. لذلك يُتوقع من السجناء، أو بالأحرى عائلاتهم، توفير احتياجاتهم الأساسية. وبالتالي يشكل السجناء عبئًا ماليًا لا تستطيع العديد من العائلات تحمله، لا سيما إذا كان معيلهم الأساسي وراء القضبان.

طاهر مختار، سجين سابق والرئيس السابق لنقابة أطباء الإسكندرية، ثاني أكبر مدن مصر، يتحدث كشاهد مباشر عن نقص الرعاية الصحية. «يتطلب الأمر ساعات من الطرق على باب السجن من أجل أن يحصل السجين على موعد مع الطبيب. وإذا حصل في النهاية على المضادات الحيوية، أو أي نوع آخر من الأدوية، فغالباً ما لا يكون ذلك كافياً للعلاج الكامل».

وقد أدى الإهمال الطبي إلى مضاعفات صحية خطيرة تصل إلى الموت في بعض الحالات. وقد رأينا ذلك جليًا في مصير الرئيس المعزول محمد مرسي. فبعد أن أمضى ست سنوات في السجن، توفي في النهاية عن عمر يناهز 67 عامًا إثر نوبة قلبية في المحكمة.

أصدرت منظمة غير رسمية لعائلات معتقلي سجن العقرب تصريحًا على فيسبوك، يعكس خشية أفراد العائلات أن أحبائهم قد لا ينجون من السجن. «يتوقع كل واحد منا في أية لحظة مكالمة هاتفية تقول إن علينا أن نأتي لاستلام جثة قريبنا، حتى نتمكن من دفنها في الظلام».

Shalabeyya

الخطابات كطوق للنجاة

تزيد المسافة بين مدينة غنت، مسقط رأس يلدز، وبين سجن طرة شديد الحراسة، حيث يُحتجز أحمد، عن 3000 كيلومتر. حثت يلدز مرارًا وتكرارًا الحكومة البلجيكية على مساعدتها في الحصول على إذن لزيارة شريكها في السجن، لكن كان ذلك دون جدوى.

«عقلي يتراكم عليه الصدأ، أنا أجلس هنا ولا أفعل أي شيء. أريد كتبي، أريد أن أشغل نفسي بشيء ما».

تنتظر يلدز اليوم الرابع من كل شهر، وهو اليوم الذي يُسمح فيه عادةً لأحمد بتلقي زيارة مدتها 20 دقيقة من قِبل أحد أفراد الأسرة. وعادةً ما تكون هذه هي اللحظة التي يتم فيها تمرير الخطابات.

خطابات السجن هي الطريقة الوحيدة التي تستخدمها يلدز للتواصل مع شريكها ومعرفة ما يمر به. وهذا يعني أيضًا أن خطابات أحمد تُقرَأ مرتين قبل الوصول إليها، مرة من قِبَل سلطات السجن ومرة ​​أخرى من قِبَل عائلة أحمد.

قام جهاز الأمن القومي المصري مؤخرًا بتقييد حق سنطاوي في التواصل وقراءة الكتب في السجن. كتبت يلدز في منشور على فيسبوك في ديسمبر 2021: «أحمد ليس على ما يرام. ولم يتم تسليمه أية كتب أو رسائل منذ الزيارة الأخيرة التي تمت في الرابع من نوفمبر وحتى اليوم. لمدة شهر كامل، يجلس في زنزانة انفرادية في مواجهة الحائط. (…) الشتاء قاسٍ، والانفصال التام عن العالم الخارجي يشعره بالوحدة المطلقة. وقد أخبرني أن الحروف هي حبله السري الذي يصله بالعالم، والشيء الذي يخفف عنه قليلاً».

«تذكرنى. لقد كنت هناك، لقد كنت هناك يا صديقي».

في رسالة أخرى، كتب سنطاوي: «عقلي يتراكم عليه الصدأ، أنا أجلس هنا ولا أفعل أي شيء. أريد كتبي، أريد أن أشغل نفسي بشيء ما».

وشدد العديد من السجناء الآخرين على أهمية رسائل السجن. أخبرني السجين السياسي السابق والكاتب عبد الرحمن الجندي خلال مقابلة عبر الإنترنت: «كنت بحاجة إلى الرسائل فقط لأبقى على قيد الحياة».

وأردف قائلًا: «ظللت أعيد قراءة الخطابات حتى حفظتها عن ظهر قلب، لدرجة أن بعضها قد تمزق من فرط قراءتي له. تلاشى الحبر لأنني كنت أقرأها خمس عشرة مرة أو أكثر. كل ما تريده هو فقط أن تتذكر أن هناك أشخاصًا يتذكرونك، لأنك تبدأ في نسيان ذكرياتك ذاتها، تبدأ في نسيان أنك كنت يومًا تعيش خارج السجن. هذه الذكريات تتلاشى وتبدأ في الشك، تبدأ في التساؤل: هل كنت بالخارج أبدًا؟ هل ولدت في السجن؟ كل حرف في هذه الخطابات يساعدك بشكل ما، ويكون بمثابة مرساة لك. تذكرنى. لقد كنت هناك، لقد كنت هناك يا صديقي».

إِبداع

على عكس يلدز، حصلت الفرنسية سيلين ليبرون شعث، زوجة الناشط المصري الفلسطيني -الذي خرج من السجن مؤخرًا- رامي شعث، على إذن لزيارة زوجها في السجن بعد ضغوط من حكومة بلدها.

أخبرتني ليبرون شعث خلال مقابلة عبر سكايب: «التواصل داخل السجن يتطلب بعضًا من الإبداع. رامي يحب المعلومات كثيرًا. كل صباح، أول شيء يفعله هو تسخين الماء، وتدخين سيجارة، وقراءة أو مشاهدة الأخبار لمدة ساعة. ويفعل الشيء ذاته في المساء».

بينما كان زوجها في السجن ، قامت سيلين بتهريب شرائح ذاكرة عليها تسجيلات صوتية طويلة إلى داخل السجن. كان رامي يستمع إليها مستخدمًا جهاز تسجيل أخفاه في زنزانته. «كنت أخبره بأشياء عامة عن حياتي، وما يحدث مع أصدقائنا، وأيضًا ما يحدث في العالم».

أطلعني أقارب السجناء على أساور وزهور مصنوعة من ورق الكريب، وقمصان وقّعها جميع السجناء في إحدى الزنازين، وسبحات مصنوعة من فتات الخبز المجففة. تقول عايدة سيف الدولة، رئيسة مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا عنف الدولة في مصر: «إن إنتاج مثل هذه الأشياء في السجن هو شكل من أشكال المقاومة. هل تريد أن تعزلني عن العالم؟ حسنٌ، في الحقيقة، أنا لست معزولًا حقًا. سأقاوم هذه العزلة. وبالطبع، يكون هذا بمثابة عزاء لأفراد الأسرة خارج السجن». وتقول أيضًا: «تلقيت هدايا من السجناء ثلاث مرات، وقد أعطاني ذلك شعورًا رائعًا للغاية».

حوّل العديد من السجناء السابقين تجاربهم إلى فن، مثل هذه اللوحة المرسومة بالأكريليك على ورق، والتي أبدعها الرسام المصري ياسين. 2019، 50 سم*70 سم

الحملة الدولية

القضايا التي تم الإبلاغ عنها من قِبَل منظمات حقوق الإنسان ليست سوى غيض من فيض. تقرر معظم العائلات التزام الصمت بشأن قريبهم المسجون، خوفًا من أن ينتقم النظام من السجين أو من أفراد الأسرة الآخرين للتحدث علانية.

تقول يلدز: «الصمت في مقابل الأمان هو شيء يجب أن نضعه في الاعتبار، ولكن في الحقيقة، فإن التزام الصمت لا يجلب أي خير».

واستشهدت بالقضية المأساوية لشادي حبش، المخرج الشاب الذي توفي في زنزانته من مضاعفات تَبعت تناوله الكحول الميثيلي. تقاعست إدارة السجن عن توفير العلاج الطبي اللازم له، ولم يتم التعامل مع حالته كحالة طارئة، وبدلاً من ذلك، أعطوه أدوية مضادة للقيء وأعادوه إلى زنزانته، وهناك مات من مضاعفات لم تتم معالجتها.

تقول يلدز: «لم ترغب عائلة حبش في إثارة ضجة بشأن سجنه، وانتظروا بصمت الإفراج عنه. فقط لو أن المجتمع الدولي كان على علم بما كان يحدث، لشعرت سلطات السجن بمزيد من الضغط لتوفير العلاج اللازم».

تعتقد يلدز أن الاهتمام الإعلامي نجح في تحسين وضع أحمد. «هناك عدة آلاف من السجناء الذين يتم نسيانهم لأنهم غير معروفين. لذا فإن الصمت لا يحل أي شيء. قد تسوء الأمور بالنسبة للسجين بشكل مؤقت، لكن على المدى الطويل أعتقد أن ذلك يحسن من وضع السجين. فنحن نسمع عن الأشخاص الذين يتم وضعهم مع عشرين إلى أربعين شخصًا في زنزانة واحدة. أحمد لديه على الأقل زنزانة لائقة يتقاسمها مع سجينين سياسيين آخرين».

ثورة منسية

من أجل فهم تأثير السجن على حياة أقارب السجناء بشكل أفضل، قررت السفر إلى القاهرة. وهناك وجدت نفسي في مجتمع يبدو أن السياسة فيه ممنوعة تمامًا من المجال العام. تم التخلص من كل علامة على ثورة 2011 تقريبًا من خلال أعمال التجديد العامة. فقط تبقت بعض الرسوم على جزء من جدار الجامعة الأمريكية بالقاهرة، لتذكرني بوقت كان ذلك فيه جدارًا طويلًا لتكريم شهداء الثورة.

«تلك الإهانات، هذا هو أول شيء يفعلونه بك في السجن. يرغمونك على إهانة نفسك. يحاولون تفتيت كرامتك».

عند مرور السيارة التي أستقلها أمام أحد فروع متاجر التوحيد والنور الفارغة، يخبرني أحد الأصدقاء إن سلسلة المتاجر -مثلها مثل سلاسل متاجر أخرى- اضطرت للإغلاق. حيث تم القبض على مالكها، سيد السويركي، بتهمة تمويل جماعة إرهابية.

وفقًا لـ (هيومن رايتس ووتش)، فإن احتجاز رجال أعمال مثل سيد السويركي «يكشف كيف تستخدم الحكومة قانون الإرهاب المصري المَعيب لمعاقبة رجال الأعمال الناجحين الذين يرفضون تسليم ممتلكاتهم إلى الدولة»، مما يزيد من إحكام قبضة الجيش على الاقتصاد المصري.

في وقت لاحق، كنت أجلس في التراس أشرب عصير القصب مع أحد الأصدقاء، عندما اقترب منا رجل يشد لحيته الطويلة بعنف. أخذ يصرخ فيما معناه: «أنا غبي، أنا لا أساوي شيئًا». وصلت الشرطة إلى مكان الحادث، وبإيماءة حاسمة، أمروا الرجل بمغادرة الطريق.

لاحقًا، أخبرني صديقي الذي شاهد ما حدث أيضًا: «من الواضح ما حدث لهذا الرجل. تلك الإهانات، هذا هو أول شيء يفعلونه بك في السجن. يرغمونك على إهانة نفسك. يحاولون تفتيت كرامتك. هل تفهم سبب عدم رغبتي في مناقشة السياسة بعد الآن؟ هل تفهم الآن لماذا أفضّل الحديث عن الكريبتو-كارنسي بدلاً من الحديث عن السياسة؟»

قواعد الحبس غير المكتوبة

استعدادًا لاجتماعنا، أرسل ضيفي التالي، محمد لطفي، مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات (ECRF)، ملفًا يضم مائة اسم لسجناء سياسيين مصريين، بهدف إعطاء مَن يقرأها فكرة بسيطة عن الملفات التي تم التكتم عليها بواسطة النظام المصري.

ألقيت نظرة سريعة صامتة على محتوى الملف، بينما أشعر بقشعريرة تنساب خلال عمودي الفقري. لدينا هنا شخصيات سياسية، مثل أنس محمد البلتاجي، نجل زعيم الإخوان المسلمين محمد البلتاجي، أو إسراء عبد الفتاح، الصحفية والعضو المؤسس لحركة شباب 6 أبريل، التي تعرضت للضرب والتعذيب بعد اعتقالها، بهدف إجبارها على الإفصاح عن كلمة المرور لفتح هاتفها المحمول. لدينا أيضًا أعضاء في منظمات حقوق الإنسان، ونقابيون وفنانون وعلماء.

وفي نهاية الملف، وجدت أحدث مجموعة مُستهدفة من قِبل جهاز الأمن الوطني، وهم ضحايا الوصاية الأخلاقية، مثل هدير حامد، البالغة من العمر 23 عامًا، ونورا هشام، والمعروفتين أيضًا باسم «فتيات التيكتوك»، والمسجونتين بتهمة «انتهاك مبادئ الأسرة المصرية وقيم المجتمع المصري».

يبدو أن هناك خيطًا يربط بين معظم هذه الحالات. إذ تستمر نفس الاتهامات الثلاثة في الظهور، فإما «الانضمام إلى جماعة إرهابية»، وإما «نشر أخبار كاذبة تضر بأمن الدولة»، وإما «إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي». علاوة على ذلك، فإن العديد من حالات السجن تكون مسبوقة بفترة من الاختفاء القسري التي تستمر من أسابيع إلى شهور.

وغالبًا ما تتم إطالة مدة السجن الاحتياطي من خلال ما يُعرف بالتدوير، أي تدوير المعتقل/ة بين عدة قضايا قانونية أخرى يتم نسبها إليه/ا. فبمجرد البدء في التعامل مع القضية، يتم حبس المعتقل/ة احتياطيًا من خلال محاكمته/ا في قضية جديدة. يتعرض معظم المعتقلين للتعذيب أو غيره من أشكال المعاملة غير الإنسانية والمهينة، وهناك دومًا سياسة ثابتة مُتفق عليها من الإهمال الطبي. وفي النهاية، يُعاقب العديد من السجناء بحرمانهم من حق الزيارات العائلية، أو غير ذلك من وسائل التواصل مع العالم الخارجي.

التقيت محمد لطفي في حي هادئ في القاهرة. يشي ديكور مكتبه برصانة وهدوء. الجدران فارغة، وهناك مكتب خشبي بني، وأريكتين لاستقبال الضيوف، بالكاد يشغل ذلك الأثاث نصف مساحة الغرفة. يفسر لطفي عدم اهتمامه بالديكور قائلًا: «اضطررنا إلى نقل المكتب بعد أن داهمتنا الشرطة مرتين، مرة في عام 2016، ومرة ​​أخرى في عام 2017».

وشهدت جمعية لطفي عدة اعتقالات في وقت المقابلة التي تمت بيننا، ولا يزال هناك موظفون خلف القضبان. وقد اختفى باحث حقوق الإسكان، إبراهيم عز الدين، لمدة 167 يومًا. وتعرض للتعذيب في مكان مجهول، وظهر أخيرًا مقبوضًا عليه، واتهمته نيابة أمن الدولة بالانتماء إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. أصبحت هذه التهمة مثل لازمة قديمة، تُعاد مرارًا وتكرارًا.

«السلطات توجه تحذيرًا للمجتمع بأكمله: إذا فتحتم أفواهكم، فقد تواجهون المصير ذاته».

على مر السنين، تدهورت الظروف تدريجياً بالنسبة لجمعيات مثل المفوضية المصرية للحقوق والحريات. في عام 2019، أقر البرلمان قانونًا جديدًا بخصوص المنظمات غير الهادفة للربح، يطالب القانون جميع هذه المنظمات بالتسجيل لدى الحكومة بحلول يناير 2023، وأن تتم مراقبة أنشطتها من قبل الدولة، وهو امتياز لا ترغب العديد من المنظمات في تقديمه للحكومة.

يقول محمد لطفي: «جاءت الموجة الضخمة الأولى من الاعتقالات في عام 2013، عندما شن السيسي حملة تضييق على مؤيدي مرسي وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين. وبمرور الوقت، زادت الفئات المستهدفة، لتشمل الليبراليين، والاشتراكيين، ومؤيدي القومية العربية، وغيرهم من أعضاء الأحزاب السياسية من غير الإسلاميين».

يقول لطفي: «بدأ المجتمع الدولي في ملاحظة هذه الحقيقة المُتغافَل عنها فقط مع مقتل جوليو ريجيني في يناير 2016». يقول لطفي أيضًا إن ريجيني كان طالب دكتوراه إيطاليًا، يجري بحثًا عن النقابات العمالية المصرية المستقلة، وهو موضوع حساس بالنسبة للحكومة. ومن ثَم، فقد تم اختطافه وتعذيبه وقتله في نهاية المطاف. وفي أكتوبر، عام 2021، بدأت محكمة في روما محاكمة غيابية لأربعة ضباط شرطة مصريين، بتهمة التسبب في جريمة القتل.

يقول لطفي: «لا يمكن الاستهانة بآثار هذه الموجات الضخمة من الاعتقالات على المجتمع المصري. هناك آلاف وآلاف من السجناء. وهذا يعني وجود الآلاف والآلاف من عائلات وأصدقاء وزملاء ومعارف السجناء الذين يشعرون بهذه المحنة، ويرون أن ما يحدث غير عادل. لذا، فإن السلطات توجه تحذيرًا للمجتمع بأكمله: إذا فتحتم أفواهكم، فقد تواجهون المصير ذاته».

لعنة ليلى سويف

على عكس مكتب محمد الذي يقع في حي هادئ بشكل استثنائي في القاهرة، فقد التقيت بمنى سيف في حي صاخب نابض بالحياة في الدقي. منى فرد من عائلة سيف، وهي عائلة من النشطاء الليبراليين الذين يعارضون النظام المصري منذ عهد السادات.

تنتظرني منى بابتسامة تنتقل تلقائيًا إلى وجهك، فتجد نفسك تبتسم أنت الآخَر، ومعها كلبة شقيقتها (توكة). تُعيل منى الحيوان الأليف بينما تنتظر شقيقتها سناء أن يتم الإفراج عنها في سجن القناطر للنساء. تم اختطاف سناء بحافلة صغيرة من أمام قسم الشرطة، حيث كانت تقيم اعتصامًا احتجاجيًا على ظروف سجن شقيقها علاء عبد الفتاح المزرية.

يعتبر شقيقهما علاء من أبرز النشطاء الليبراليين في مصر. وقد نُشر كتابه (لم تُهزَموا بعد) في عام 2021، وهو عبارة عن تجميع لخطبه السياسية ومقالاته وتغريداته على تويتر. منذ عام 2011، قضى علاء وقتًا داخل السجن أكثر مما قضاه خارجه. كما سُجن والدهم المتوفى (أحمد سيف) ذات مرة بسبب أفكاره السياسية في عهد رئيس آخر.

سألت منى سيف عما إذا كانت تخشى أن يأتي دورها في يوم من الأيام لتُسجن، فقالت: «كنت وما زلت أخشى ذلك، لكن السجن لم يعد أكبر مخاوفي. أسوأ كابوس لي هو جزء مما يحدث الآن. لدينا هذه المزحة في العائلة، وهي أنني أعاني من (لعنة ليلى سويف)». في السبعينات، وقتما كان الجميع يتعرض للاعتقالات، كانت ليلى، والدة منى، من القلائل الذين لم يتم القبض عليهم. لذلك، فقد تُركت ليلى وحدها بالخارج، وعلى عاتقها عبء رعاية أصدقائها وعائلتها خلف القضبان.

وبحسب منى، فإن سجن إخوتها قد غيّر من ديناميكيات الأسرة، إذ تقول: «هناك أوقات يشعر فيها علاء أننا لا نفهم ما يمر به، وهناك أوقات أخرى أشعر فيها أنا بنفس الشيء. فعلاء لم يجرب أن يكون فردًا من العائلة على الجانب الآخر من القضبان. فقد تم إطلاق سراحه فقط لفترة وجيزة بعد وفاة أبي. وعندما ذهبنا لزيارة سناء في السجن، قال علاء إنه لا يستطيع تحمل فعل ذلك».

«هذا النظام ذكوري»

منى سيف، سهيلة يلدز، سيلين ليبرون شعث. يبدو أن مسئولية رعاية الأقارب المسجونين غالبًا ما تكون على عاتق نساء العائلة. تقول منى سيف: «هذا النظام ذكوري. لذا، فعندما يتعلق الأمر بالسجناء السياسيين، هناك دائمًا ذلك الافتراض الساذج بأن النساء لا يجب أن يؤخذن على محمل الجد. وفي بعض الأحيان، يمكن أن يكون هذا الافتراض في صالحنا».

لكن هذه النظرة الدونية إلى النساء تتغير بحسب منى. إذ تتذكر عندما تعرضت هي ووالدتها وشقيقتها للضرب من قبل عصابة نسائية أمام سجن طرة، بينما كانوا يطالبون باستلام رسالة كتبها علاء إليهن. «النظام تجاوز خطًا أحمر آخر عندما فعل ذلك. ففي السابق، كان هناك اعتقاد بأن النساء يتمتعن بقدر أكبر من الحماية أثناء الزيارات أو عند تسليم الطبلية. لكنهم بالطبع وظّفوا نساء للقيام بهذه المهمة».

في وقت المقابلة ، كان علاء عبد الفتاح مسجونًا في سجن طرة شديد الحراسة، وهي بمثابة ضارة نافعة، لأن السجن يقع داخل محافظة القاهرة. يُمضي بعض السجناء وقتهم في السجن بعيدًا عن أقاربهم، مثل نزلاء سجن الوادي الجديد في مدينة الخارجة في عمق الصحراء الغربية، على بعد 600 كيلومتر من العاصمة، مما يجعل الزيارات وتسليم الطبليات أكثر تعقيدًا وتكلفة.

تحكي لي منى سيف عن الزيارة الروتينية للسجن، على الرغم من أن كلمة «روتينية» بالكاد تنطبق على ظروف السجن المصري. في وقت المقابلة، لم تكن منى قد زارت أشقائها لشهور عديدة، إذ لم يكن مسموحًا لها بذلك.

«أنا متأكدة من أنهم يقومون بتسجيل ما نقول في زياراتنا».

«عند بوابة السجن، نقوم أولاً بتسليم بطاقات الهوية، ورسائل السجن، وورقة بها قائمة بالأشياء التي أحضرناها لعلاء. في كل مرة نحضر له شيئًا، يجب أن يوافق عليه شخص من المسئولين الكبار في أمن الدولة».

«عادة ما ننتظر أمام السجن بدءًا من الساعة العاشرة صباحًا تقريبًا حتى يُسمح لنا بالدخول، وهو ما يحدث في حوالي الساعة الثالثة أو الرابعة مساءً. يومنا في السجن هو مجرد يوم ضائع». أما العائلات التي تعيش بعيدًا عن مكان السجن، فتضيع منها أيامًا أكثر. وقد أخبرني السجين السابق طاهر مختار، العضو السابق في نقابة أطباء الإسكندرية، من قبل كيف كانت أسرته تقضي ثلاثة أيام في زيارة واحدة للسجن، حيث كان عليهم السفر من مدينة مرسى مطروح على البحر المتوسط ​​إلى القاهرة في كل مرة.

«تنعقد الزيارات لعلاء في مبنى به كبائن صغيرة تشبه كبائن الحمامات. تدخل من باب صغير له زجاج مزدوج، وأحيانًا يوجد كرسي ومروحة صغيرة. يتم إحضار علاء على الجانب الآخر من الزجاج، ويأتي ضابط لتسليم الهاتف. أنا متأكدة من أنهم يقومون بتسجيل ما نقول في زياراتنا».

بابا ودودو يختبئان من الأسد

«يمثل التحرش بشكل عام، والتحرش الجنسي بشكل خاص، مشكلة لزوار السجن. تمثل الطبقية عنصرًا فارقًا في الموضوع، فإذا شعروا أنك من طبقة اجتماعية أعلى قليلاً، سيكونون أكثر حذرًا في التعامل معك. إذا قمت بتقديم رشوة إلى حراس البوابة في بعض السجون، فلن يقوموا بالتحرش بك أو تفتيشك. ولكن هذه الرشوة تزيد من ثقل العبء المالي للزيارات».

تقول منى سيف: «الزيارة الواحدة تكلف الآلاف من الجنيهات بشكل عام. لهذا السبب، غالبًا ما يستقبل السجناء زيارات أقل، لأنها مكلفة للغاية. نحن نحصل على دعم مالي ضخم من الأصدقاء والعائلة. بصراحة، لا أدري كيف تتعايش العائلات الأخرى التي ليس لديها هذه الشبكة الواسعة من المعارف».

«عندما لا تحتوي الرسالة على رسم لدودو (لقب خالد)، نعلم أن علاء ليس على ما يرام».

ثم يشرق وجه منى فجأة، وتقول: «لدي شيء يمكنني أن أريه لك». تبتعد منى بخفة عن الطاولة. وتقفز توكة، التي كانت تقف على الطاولة بيني وبين مضيفتي، على الأرض، وتتبع شقيقة مالكتها إلى إحدى غرف النوم في منزل العائلة. سمعت صوت نباح الكلبة، وبعد ثانية عادت منى إلى غرفة المعيشة، وفي ذراعيها كومة كبيرة من الأوراق.

«هذا فقط ما احتفظت به والدتي هنا. هناك الكثير من هذه الرسائل في المنزل الآخر». تضع منى الرسائل على الطاولة، وتلتقط واحدة بشكل عشوائي من الكومة، ثم تضحك ضحكة مكتومة. «هذه تقول: بابا ودودو يختبئان خلف شجرة باوباب من الأسد».

أطلعتني على رسم توضيحي للجملة، وأوضحت أن شقيقها عادةً ما يقوم بالرسم لابنه خالد على ظهر رسائله. إنها طريقته في التواصل مع ابنه الذي تم تشخيصه بالتوحد غير اللفظي. «عندما لا تحتوي الرسالة على رسم لدودو (لقب خالد)، نعلم أن علاء ليس على ما يرام».

على الوجه الآخر من الورقة، كتب علاء عبد الفتاح خطابًا للكبار. تترجم لي منى ما كتبه علاء: «أمي، كالعادة أكتب لكِ ردًا على رسالتك التي لم أستلمها. أنا أرد على رسالتك من فبراير ويناير، ولكن من المحتمل أن أختصر الحديث، لأن الطقس عاصف وبارد، وأريد العودة للدفء تحت الأغطية»

المرأة ذات النقاب الأسود التي أحرجت الرئيس

بعد أن أطاح الجيش بمحمد مرسي في 2013، شُنّت حملة من القمع ضد أنصاره. في أغسطس من ذلك العام، قُتل ما لا يقل عن تسعمائة من أنصار مرسي، عندما أطلقت قوات الأمن الرصاص على المعتصمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة.

سُجن العديد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها مرسي. وفي السنوات التي تلت ذلك، تم تفكيك الجماعة بشكل تام. على الرغم من أن هذه الجماعة قد عانت من أسوأ أشكال القمع في ظل الحكم العسكري، إلا أنه لم يتم ذكر أي معلومات عن أعضائها المسجونين في وسائل الإعلام الغربية، التي يبدو أنها تفضل توفير التغطية الإعلامية للسجناء الليبراليين.

من شبه المستحيل التحدث إلى أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر. قد يؤدي ذكر اسم الجماعة في الأماكن العامة فقط إلى إثارة الشك. بدلاً من ذلك، فقد أجريت مكالمة فيديو مع عمر الشويخ، الذي فرّ إلى تركيا بعد إطلاق سراحه من السجن.

كان لعائلة الشويخ ارتباطًا وثيقًا بالاعتصام الموالي لمرسي، ​​وقد دفعوا ثمناً باهظاً مقابل ذلك. بأسلوبه المقتضب، يروي لي عمر الشويخ كيف انتقم النظام باستهداف أفراد عائلته واحدًا تلو الآخر. اختفى عمر وشقيقه أولاً، وقد تعرضوا لتعذيب شديد، كما تعرض كلاهما للاغتصاب من قِبَل حراس السجن.

عندما وصف شقيق عمر الأحداث في رسالة إلى والدته، قررت الأم أنها لن تلتزم الصمت. اتصلت بالعديد من وسائل الإعلام وقرأت بصوت عالٍ أجزاء من رسالة ابنها على قناة الجزيرة.

وصلت تلك الأخبار إلى العالم بأكمله، إذ يقول عمر: «كانوا يتحدثون عن ذلك في الكونجرس في الولايات المتحدة، وفي البرلمان الأوروبي. وعند قيام أي شخص من الولايات المتحدة بزيارة مصر في ذلك الوقت، فقد كان يتحدث عن أمي وأخي. لقد أحدثنا ضجة كبيرة».

نجحت والدة عمر الشويخ بظهورها التلفزيوني، الذي كانت ترتدي فيه دائمًا نقابًا أسود، فيما لم يفعله سوى قلة من قبلها، لقد أحرجت الرئيس المصري أمام حلفائه الغربيين.

«أمي مصابة بداء السكري، وكانت قد أجرت عملية جراحية في المعدة قبل أن يأخذوها. يجب أن تتناول الكثير من الأدوية لتظل على قيد الحياة ، لكن منذ اعتقالها لم يُسمح لها بأي زيارة».

أتى الانتقام بعد فترة وجيزة. كان عمر الشويخ قد فر بالفعل إلى تركيا بحلول ذلك الوقت. «اقتحموا منزلنا في القاهرة بينما كنت أتحدث مع أمي عبر الهاتف. فجأة أغلَقَت الخط. اعتقدت أن هناك مشكلة في الشبكة. بعد دقيقتين اتصلت بي أختي وقالت إنهم في المنزل. أخذوا أمي وأختي البالغة من العمر 18 عامًا وأبي. وتركوا أخي الصغير وحده في المنزل».

قال لي الشويخ والدموع في عينيه: «أمي مصابة بداء السكري، وكانت قد أجرت عملية جراحية في المعدة قبل أن يأخذوها. يجب أن تتناول الكثير من الأدوية لتظل على قيد الحياة ، لكن منذ اعتقالها لم يُسمح لها بأي زيارة».

«لا نعرف إذا ما كانت الأدوية التي نرسلها تصل إليها، لا نعرف إذا ما كانت تحصل على المال والطعام. لا نعرف عنها شيئًا سوى أنها على قيد الحياة، لأنها مثلت أمام المحكمة قبل عشرة أيام».

«المعاناة لا تتوقف عند أبواب السجن»

أمضت عايدة سيف الدولة شهورًا من طفولتها مع عمها الهارب، الذي فرّ من السجن في عهد جمال عبد الناصر. «كان والداي يخافان أن أُفشي بوجود عمي إذا زارنا شخص ما فجأة. لذا، فقد وضعوني معه في نفس الغرفة».

في تلك الغرفة، ظهرت البراعم الأولى لنشاط عايدة السياسي. لم يكن عمها ينطق بكلمة واحدة، لكن رابطة قوية نشأت بينهما بطريقة ما.

من خلال عملها كطبيبة نفسية ورئيسة مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا عنف الدولة، تتواصل عايدة سيف الدولة يوميًا مع العائلات التي أصيبت بصدمات نفسية من تجربة السجن. وترسم أمامي صورة قاتمة لحياتهم الأسرية بعد إطلاق سراحهم.

قالت لي في غرفة المعيشة بمنزلها في القاهرة: «المعاناة لا تتوقف عند أبواب السجن. في البداية، بالطبع، هناك سعادة لَم الشمل، ولكن بعد ذلك، هناك الكثير من الثغرات التي يجب سدها، الكثير من القواعد الجديدة التي يجب تعلمها، الكثير من التوقعات. هناك مواجهة السجناء لحقيقة أن عائلاتهم اضطُرَّت للمضي قدمًا بدونهم. إنه عقاب لكل من السجناء وعائلاتهم».

يعاني العديد من السجناء السابقين من مشاكل نفسية ناجمة عن الصدمات التي تعرضوا لها في السجن. «يعاني السجناء من جميع أنواع اضطرابات القلق، والاضطرابات العاطفية مثل الاكتئاب، وبعض حالات اضطرابات النوم والشهية، والاضطرابات الجنسية، وفقد الثقة بالناس، بما في ذلك أولئك الأقرب إليهم».

«هناك أيضًا ما يسمى بعقدة الناجي. يشعر العديد من عملائي بالذنب لأنهم خرجوا وتركوا أصدقاءهم بالداخل».

يهدف السجن إلى كسر إرادة السجناء، بحسب وصف عايدة سيف الدولة. «ثمة انعدام لقواعد المنطق في السجن. كل شيء يعتمد على هذا الضابط أو ذاك القاضي، ما إذا كنت ستبقى في السجن أو سيتم إطلاق سراحك، ما إذا كنت ستتلقى زيارات أم لا. وينطبق الشيء نفسه على العلاج الطبي. لم يتلق الإسلاميون في سجن طرة شديد الحراسة أي زيارات منذ سنوات. أمثال علاء عبد الفتاح محرومون من الكتب، حتى من مكتبة السجن. هم يعانون من العزلة التامة. وحتى عندما يذهب علاء إلى المحكمة، يتم نقله بمفرده في دبابة».

«هناك أيضًا ما يسمى بعقدة الناجي. يشعر العديد من عملائي بالذنب لأنهم خرجوا وتركوا أصدقاءهم بالداخل».

«هناك نوع غريب من الحميمية في السجن. السجناء يتشاركون القصص والذكريات، بإمكانك أن تنهار وتبكي أمام زملائك في السجن. قد يتجادل السجناء فيما بينهم، لكنهم يتحدون في وجه ضابط الشرطة. ثمة عبارة يكررها الكثير من السجناء السابقين على المسامع، وهي أنهم تركوا جزءًا من أنفسهم بالداخل. قد يشعرون بأن أي شخص لم يمر بتجربتهم لن يفهمهم أبدًا. وهذا صحيح، لا يمكن لأحد تخيل مثل هذه التجربة».

إما الحفر وإما حقوق الإنسان

في يناير 2013، أعلنت إدارة بايدن حجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية عن مصر، بسبب شئون تتعلق بحقوق الإنسان. وأتى ذلك كإثبات بأن المجتمع الدولي لديه ما يلزم من الأدوات لضرب النظام المصري المستبد بشكل متزايد في مكان موجع. ومع ذلك، فإن استخدام هذا النفوذ محدود حتى الآن، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الغرب يرى في نظام السيسي حليفًا له في مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب الدولي.

يقول فرانسوا كورنيه دي إلزيوس، السفير البلجيكي في مصر، بكل شفافية: «نحن منافقون بعض الشيء. (…) لدينا الكثير لنخسره، خاصةً فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية». وأتبع ما قاله بتلاوة قائمة بأكبر العقود التي أبرمتها الشركات البلجيكية في مصر، بما في ذلك حفر قناة السويس من قِبَل شركة (DEME)، وبناء المتحف المصري الكبير الجديد بواسطة شركة (BESIX)، والعقود التي تخص ميناء أنتويرب.

«بلجيكا تفضل الاستقرار من أجل السيطرة على التجارة والهجرة. السيسي يحمي هذه المصالح». ويضيف: «هناك إجماع على مضض بين الدبلوماسيين للسماح للسيسي بأن يبقى في منصبه، طالما أن هناك تقدمًا في البنية التحتية والمرافق العامة».

 

فيما يتعلق بمسألة إذا ما كانت هناك عقود ذات طبيعة عسكرية بين البلدين، فقد كان السفير أكثر تحفظًا. يقول دي إلزيوس: «هناك ما يحدث في هذا الشأن». ثم يقتطع حديثه قائلاً إن المعلومات ذات طبيعة حساسة، وإنه لا يرغب في الاستمرار في الحديث عن الموضوع.

«بلجيكا تفضل الاستقرار من أجل السيطرة على التجارة والهجرة. السيسي يحمي هذه المصالح». ويضيف: «هناك إجماع على مضض بين الدبلوماسيين للسماح للسيسي بأن يبقى في منصبه، طالما أن هناك تقدمًا في البنية التحتية والمرافق العامة».

كما أنهى السفير حديثه قائلًا: «إن الحكومة المصرية تبذل جهودًا مخلصة من أجل تحقيق التعايش السلمي بين المسلمين والأقباط في البلاد، وكذلك فيما يتعلق بحقوق المرأة».

جزء من مهمة البعثة الدبلوماسية البلجيكية هو الضغط على الحكومة من أجل احترام حقوق الإنسان في البلاد، وتمثيل المواطنين البلجيكيين في مصر. لذلك فقد صُدِمت عندما أدركت أن السفير لم يتذكر اسم سهيلة، وهي مواطنة بلجيكية من المفترض أن يقوم بتمثيلها، ومن المفترض أن سهيلة قد حصلت على وعد من وزارة الخارجية ببذل جهود للضغط على الحكومة المصرية من أجل إطلاق سراح أحمد.

وفي الحقيقة، أضاف السفير أيضًا أن السفارة «تنتهز كل فرصة تواتيها لتعلن أن هذه العناصر (أي قضية أحمد سمير السنطاوي) تسبب ضررًا بالغًا للعلاقات البلجيكية المصرية».

©شلبية

أخبار سارة متفرقة

في طريق عودتي من السفارة، مررت بمركز شرطة عابدين بوسط القاهرة. إنه مساء يوم الأحد، وكان الليل قد حلّ فوق المدينة. أشاهد في صمت مجموعات متفرقة من الأشخاص المنتظرين عند مدخل المركز، وفي أيديهم أكياس بلاستيكية تحتوي على طعام في الغالب. هل يمكن أن يكون هؤلاء الناس من أفراد الأسر التي تحاول تقديم بعض الاحتياجات الأساسية إلى أحد أقاربهم في السجن؟ إن التوقف لسؤالهم عن ذلك سيكون تصرفًا غير حكيم. لذا، أكتفي بالسير بجانبهم، مستشعرًا التعب في عيونهم.

«من المحزن أن الأخبار السارة الوحيدة التي تأتي من مصر في الآونة الأخيرة تكون متعلقة بإطلاق سراح أحد الأشخاص من السجن».

كلما عرفت أكثر عن أوضاع السجون المصرية، أصبح من الواضح لي أن أفراد العائلات مسجونين مع أقاربهم المحتجزين. تتحدد حياتهم بالصعوبات الاقتصادية، والنبذ ​​الاجتماعي، والكفاح المستمر من أجل تحقيق الاحترام لحقوق السجناء الدستورية، مثل الزيارات أو الرعاية الصحية.

أخبرني الباحث في منظمة العفو الدولية، حسين بيومي، في مقهى عند عودتي إلى بروكسل: «من المحزن أن الأخبار السارة الوحيدة التي تأتي من مصر في الآونة الأخيرة تكون متعلقة بإطلاق سراح أحد الأشخاص من السجن».

في 8 ديسمبر 2021، تم الإفراج عن الباحث المصري باتريك زكي، بعد أن أمضى أكثر من 20 شهرًا في الحجز. تبعته سناء سيف في وقت لاحق من نفس الشهر. رأيت على تويتر صور لم شملها مع كلبتها توكة. وفي مطلع العام الجاري، تم إطلاق سراح رامي، زوج سيلين ليبرون شعث، بعد أكثر من 900 يوم في السجن، وقد أطلقوا سراحه بشرط تخليه عن جنسيته المصرية. في 30 يوليو، انتهى كابوس أحمد سمير السنطاوي وعائلته، بعد أن منحه السيسي واثنين من زملائه عفواً رئاسياً. ومع ذلك، لا يزال أحمد خاضعًا لحظر سفر.

الفرحة التي تتشاركها هذه العائلات على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقل إلى المُشاهد تلقائيًا. ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يفكر في آلاف المعتقلين الآخرين وعائلاتهم، الذين ما زالوا ينتظرون اليوم الذي سيبدأون فيه في التعافي أخيرًا من مرارة هذه التجربة.

 

ليلى سويف، الأم في عائلة من النشطاء، تقرأ جوابًا قادمًا من السجن، كتبه لها ابنها علاء. تجلس معها وتؤنسها توكا، كلبة ابنتها المسجونة سناء.

“عندما لا تحتوي الرسالة على رسم لدودو، نعلم أن علاء ليس على ما يرام”

ليلى سويف تشير إلى راديو جيب صغير مُنِع من الدخول من بوابة السجن.

صورة مقربة للأشياء الممنوعة من الدخول من بوابة السجن: أكياس قمامة، جهاز آي بود، جهاز لقياس ضغط الدم، ساعة يد.

خاطت سناء، ابنة ليلى، حافظة الآي بود هذه في السجن كهدية لأمها. تقول الطبيبة النفسية عايدة سيف الدولة: “إن إنتاج مثل هذه الأشياء في السجن هو شكل من أشكال المقاومة.”

ليلى سويف تجلس على طاولة المطبخ، وتحيط بها رسائل من ابنها وابنتها المسجونين. عائلتها ليست سوى واحدة من بين آلاف العائلات التي حطمها نظام الحُكم القمعي للجنرال السيسي .

” هذا المنزل فارغ منذ فترة طويلة.” – ليلى سويف

 

هذه المقالة تتناول موضوعًا حساسًا للغاية. موضوع يُظهر شجاعة الأفراد الذين شاركوا فيه بأقوالهم، حيث كانوا على استعداد تام للتحدث علنًا بشأن هذه القضية. لم يعد الكثير منهم يعيش في مصر، وليس لديهم نية للعودة ما دام الرئيس السيسي متقلدًا السلطة. يبدو أن أولئك الذين ما زالوا يعيشون في البلد من الذين أدلوا بشهاداتهم، مثل أفراد عائلة سيف، وعايدة سيف الدولة، ومحمد لطفي، قد قبلوا بمصيرهم كأعضاء في المعارضة المضطهدة. السجن مُعلَّق فوق رؤوسهم مثل سيف ديموقليس (في إشارة إلى أنه خطر دائم يخيم عليهم). كل ما يأملونه هو أن تقف شبكة معارفهم كدرع بينهم وبين النظام، خوفًا من حدوث فضيحة دولية.

يمنحني جواز سفري البلجيكي حماية لا تتوفر لغيري. ومع ذلك، قد يؤدي نشر اسمي على الأرجح إلى منعي من دخول مصر، وهي البلد والمجتمع الذي أصبحت أحبه. لذلك، قررت عدم الكشف عن هويتي.

أُنجز هذا المقال بدعم من Fonds Pascal Decroos

Maak MO* mee mogelijk.

Word proMO* net als 3249   andere lezers en maak MO* mee mogelijk. Zo blijven al onze verhalen gratis online beschikbaar voor iédereen.

Ik word proMO*    Ik doe liever een gift